نهاية الكون والثقوب السوداء
د.ياسين محمد المليكي
جاءت في محكم التنزيل آيات عظيمة تتحدث عن كيفية نشء الكون وما هو عليه بعد ذلك وما سيؤول إليه عند انتهائه، ولفهم كنه هذه المراحل الثلاث يبذل البشر الكثير من الجهد والمال منذ الأزل، وخاصة العاملين في مجال الفضاء والفلك، وحتى وقتنا هذا علهم يصلون إلى ما يكشف شيئا من ذلك الغموض،من تلك الآيات قوله تعالى: (أَن السمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا) (الأنبياء: 30)
وقوله تعالى : (وَالسمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنا لَمُوسِعُون) (الذريات:47)
وقوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السمَاءَ كَطَي السجِل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ)(الأنبياء:104)
إن من أرجح النظريات عن بدء خلق الكون نظرية الانفجار العظيم والتي توضح أن الكون كان عبارة عن نقطة عديمة الأبعاد لا نهائية الكتلة والطاقة وأنه مع هذا الانفجار نشأ المكان والزمان وهذا مما قد يمكن أن تشير إليه الآية الأولى . ويتضح من الآية الثانية الحديث عن اتساع الكون وتباعد المجرات وما حدث له بعد الانفجار وهي نظرية اتساع الكون.
كما يعتقد بأن الثقوب السوداء قد تكون هي الأداة الكونية التي سخرها المولى ـ عز وجل ـ لطي السماء وما يحيط بها من أجرام،راتقة الكون في نقطة تفرد كما بدأ فما هي الدلالات العلمية المتوفرة حاليا لدينا لمحاولة إدراكه من الآية الثالثة؟ كل ذلك يجيء في محاولة فيما يعرف بالتفسير العلمي . وليس الإعجاز العلمي.
سنحاول هنا التحدث عن الثقوب السوداء وتوضيح بعض الغموض عن خصائصها الفيزيائية وتكونها، كما سنتناول أنواعها ومدى استفادة البشر منها وهل ما زالت نظرية بحتة أم أنه قد رأتها مراصد البشر من على سطح الأرض أو قد رصدتها عيونهم في الفضاء.
تطور التقانة الفلكية:
إذا ما نظر الإنسان لأول وهلة إلى السماء لرآها ساكنة هادئة ولكن الأمر في حقيقته ليس كما يبدو عليه، حيث كشف لنا تطور التقانة أن تقلبات الأحوال الفلكية مهولة في عظمتها، فانفجار قنبلة هيدروجينية تبدو كفقاعة مقابل انفجار في غلاف شمسنا القريبة. ويظهر هذا الانفجار كنفخة طفل صغير مقابل عاصفة هوجاء إذا قورنت بانفجارات السوبر نوفا.وانفجارات السوبر نوفا يبدو كنسيم الليل العليل إذا قورن بانفجارات نوى مجرات الراديو وشبيهات النجوم أو الثقوب السوداء . ولقد تطور هذا العلم كثيرا خاصة في نهاية القرن الماضي مما حسن العديد من المفاهيم لدى البشر.
ويمكن تمثيل التطورات التي تراكمت عبر العصور على علم الفلك بخط تصاعدي تتخلله قفزات عملاقة أدت إلى تحسينات جبارة في نوعية الأرصاد وكميتها والمعلومات المستنبطة منها خاصة بعد غزو الفضاء بالأقمار التي قد تصل أعدادها إلى قرابة التسعة آلاف، والتي أدت بدورها إلى قفزة نوعية في تطوير نظرة الإنسان إلى الكون وكذلك في توسيع آفاق ليس لهما مثيل فتبارك الله أحسن الخالقين. وان من افضل المناظير الفضائية التي أرسلت لدراسة الفضاء والأجرام السماوية بشكل عام المنظار الفضائي هابل، والذي زودنا ببيانات ومعلومات خلال السنوات القليلة الماضية عجز البشر عن الحصول على مثلها عبر مئات السنين من سواها من المناظير الأرضية، وسوف نستدل بنتائج أحد أرصاده الجمة
لشرح موضوعنا هذا:
تمدد الكون:
لقد تمكن العالم الفلكي أدوين هابل من خلال دراسة تعرف بدراسة الإزاحة الحمراء لأطياف المجرات والتي تدل على أن المجرات تتباعد عن بعضها وأن الكون في تمدد مستمر وكلما ازدادت المجرات بعدا ازدادت سرعتها في التباعد عن بعضها .وكانت هذه الدراسة قد تمت في عام 1291 إلا أن انشتاين كان قد سبقه بستة أعوام من خلال حله للمعادلات النظرية للنسبية العامة وتطبيقها على الكون والتي استنتج منها أن الكون غير مستقر. وكانت نظرية الانفجار العظيم ما هي إلا امتداد لتلك الفكرة والتي نشأت عام 1950 ومفادها أن الكون ما دام في اتساع مستمر فانه لا بد وأن يكون قد انطلق من نقطة وانفجر عنها وذلك قبل 51 مليون عام قدر أنها عمر الكون . وقد حسبت بأخذ مقلوب قيمة ثابت هابل، وهي نسبة تسارع المجرات إلى بعدها.
وتوضح نظرية الانفجار العظيم أن الكون قد يصل إلى حد أقصى من الاتساع كما انه سيعود للانكماش مرة أخرى إذا ما كان كثافة الكون أكبر من الكثافة الحرجة، ولكن من المعلوم أن كتلة الكون تساوى 01% فقط من الكتلة اللازمة لأن تكون كثافة الكون مساوية أو أكبر من الكثافة الحرجة، فأين تكمن الكتلة المتبقية؟
ويوضح أحد أرجح التفسيرات أن بقية الكتلة اللازمة (90%) قد تكون مستترة في الثقوب السوداء، وهي كما سنرى لاحقا، ليست سوى مواقع في السماء لا ترى ولا ترصد ولا تصدر عنها معلومات مباشرة ولا يعرف وجودها إلا بأثرها على ما جاورها من مادة أو نجوم، تبارك القائل (
فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجُومِ * وَإِنهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
) (الواقعة:76). وتصل هذه الثقوب السوداء إلى هذه الحالة والتي تعد مرحلة من مراحل حياة النجوم والتي لا تستطيع أن تنطلق منها الأشعة الضوئية عندما تكون نسبة كتلة نجم ما إلى نصف قطره أكبر من قدر معين، وليتخيل القارئ مثالا على ذلك كوكبنا الأرض فلكي تصبح الأشعة أسيرة لها فانه لا بد من ضغطها حتى يصل نصف قطرها أقل من 1سنتيمتر، عندئذ لن تعكس الأرض أشعة الشمس الساقطة عليها وبالتالي فانه لن يتمكن أحد من رصدها من الخارج لان الإشعاعات لن تغادرها وبذا تصبح ثقبا اسود.
0 التعليقات: